السيد عبد الله الجزائري
111
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية
من ذمها والنهى عنها ومدح أضدادها المحمودة والأمر بها وتكلف النفس المقصود تطهيرها بالمجاهدة والرياضة للتخلية عن كل واحد منها بالحمل على الطرف المقابل له فإن المعالجة انما هي بالضد وذلك بالإلحاح في تمرينها بالافعال المناسبة للطرف المطلوب . المستجلبة له بالاعتياد فان الشره في الشهوة البطنيه والفرجية مثلا إذا راض نفسه بالجوع والصوم حتى اعتادهما زال عنها الشره ووقفت على حد الاعتدال المطلوب وكذا اليائس من رحمة اللَّه بسبب غلبة الخوف عليه إذا أمعن في تتبع ما يشاهد من أثار الرحمة البالغة وما ورد في الكتاب والسنة في سعتها وشمولها مما استراح اليه الآمنون خفت عنه دواعي الخوف وتحركت فيه دواعي الرجاء وكذا العكس وذلك لان كل فعل يباشره الإنسان من عمل أو قول أو فكر أو ذكر يحصل منه أثر في نفسه وكلما تكرر ذلك الفعل قوى ذلك الأثر وترسخ في النفس إلى أن يصير ملكه يصدر عنها الأفعال بسهولة ومن ثم قيل إن العادات طبائع ثانيه كالدابة الجموح إذا بولغ في رياضتها وتأديبها على خلاف ما هي عليه من الشراسة تغير خلقها وعادت سلسة منقادة فيما يطلب منها من الحركات والسكنات وهذا هو تهذيب الأخلاق المأمور به عقلا وسمعا وليس من الأمور المستحيلة مطلقا كما زعمه بعض البطالين حسبانا منهم ان الطباع لا تتغير واستدل لهم أبو حامد في الأحياء وتبعه المصنف في المحجة والحقائق بوجهين ( ا ) ان الخلق هو صورة الباطن كما أن الخلق هو صورة الظاهر فكما لا يقدر القصير ان يجعل نفسه طويلا والقبيح جميلا فكذلك الخلق الباطن ( ب ) ان حسن الخلق انما يحصل بقمع الغضب والشهوة وهذا أمر ممتنع لأنها من مقتضيات الطبع لا ينفك عنهما الأدمي فالاشتغال به تضييع زمان بغير فائدة فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة وهو محال وربما يقرر الاستدلال لهم بوجه آخر وهو ان الأخلاق ملكات طبيعية ولا شيء من الطبيعيات بممكنه التغيير اما الصغرى فمعلومة بما يشاهد من أن المزاج الصفراوي يغلب فيه الطيش والغضب والدموي الشهوة والفرح والسوداوي البخل والإمساك والبلغمي البله وسلامه الصدر وبعض الناس مجبولون على الجربزة والدهاء مع قلة ممارستهم لمداق الأمور وبعضهم على البلادة والحمق مع كثرة كدهم وولوعهم في التحصيل وهكذا واما الكبرى فبالضرورة فان الجسم الثقيل كالماء يميل بطبعه إلى المركز والخفيف كالهواء إلى المحيط ولا مطمع للمعالج في صرفهما